
Technovation 2026 : من الرؤية إلى النتائج الملموسة… شروط تحقيق تحول مستدام
استقطبت تظاهرة Technovation 2026 نخبة من الخبراء العلميين، وممثلي المؤسسات، ومهنيي قطاع الصحة، ووسائل الإعلام، إلى جانب فاعلين في القطاع الصناعي، لتشكل منصة للحوار مخصصة للابتكار والحد من المخاطر المرتبطة بالتدخين. وقد نظمت هذه التظاهرة من خلال سلسلة من الندوات والجلسات الحوارية، بهدف تعزيز تبادل الآراء والخبرات استنادا إلى الأدلة العلمية، والاستفادة من التجارب الدولية، ومناقشة التحديات الخاصة بالأسواق الناشئة.
من أبرز محطات هذه الدورة، الجلسة التي كانت بعنوان “من رؤية طموحة إلى نتائج ملموسة”، والتي تناولت سؤالا محوريا: كيف يمكن تحويل رؤية إلى نتائج ملموسة؟ وهي الجلسة الجلسة التي أدارتها “خديجة إحسان”، وشارك فيها كل “تايلان سوير”، مدير عام “فيليب موريس إنترناشيونال” (PMI) بالمنطقة المغاربية، و”توماسو دي جيوفاني”، نائب رئيس الشركة المكلف بالتواصل والشؤون العامة، حيث استعرضا رؤيتهما بشأن العوامل المحفزة التي من شأنها تسريع وتيرة الانتقال نحو مستقبل خال من الدخان.
مؤشرات تعكس دينامية حقيقية
في مستهل الجلسة، أكد “تايلان سوير” أن النقاش حول الحد من المخاطر المرتبطة بالتدخين شهد تطورا عميقا خلال العقد الماضي. فبعدما ظل هذا الموضوع لسنوات محصورا في أوساط علمية وصناعية محدودة، أصبح اليوم يحظى باهتمام طيف أوسع من الفاعلين، يشمل الحكومات، ومهنيي قطاع الصحة، والباحثين، ووسائل الإعلام، والمستهلكين.
واعتبر أن هذا التطور يشكل أحد أبرز المؤشرات على حدوث تحول حقيقي في دينامية هذا الموضوع. كما أشاد باختيار مدينة الرباط لاحتضان هذه الجلسة، معتبرا أن المغرب يجسد رؤية بعيدة المدى تقوم على التحول والابتكار، وترتكز على سياسات عمومية تستشرف المستقبل.
الحد من المخاطر: رافعة ثالثة للصحة العامة
ذكر المتدخلون بأن سياسات الصحة العامة تقوم على ثلاثة مقاربات متكاملة، تتمثل في:
• الوقاية من الإقبال على التدخين؛
• مواكبة المدخنين ومساعدتهم على الإقلاع النهائي عن التدخين؛
• توفير بدائل أقل ضررا للمدخنين البالغين الذين يواصلون التدخين رغم محاولاتهم الإقلاع عنه.
وبحسب “تايلان سوير”، لا يمكن إغفال هذا البعد الثالث، في وقت يواصل فيه نحو مليار شخص حول العالم التدخين. وأشار إلى أن التطورات التكنولوجية تتيح اليوم توفير منتجات خالية من الاحتراق، مخصصة للمدخنين البالغين الذين لم ينجحوا في الإقلاع الكامل عن استهلاك النيكوتين.
اعتماد البدائل… معيار لقياس التقدم
اعتبر “توماسو دي جيوفاني” أن المعيار الأول لقياس نجاح أي ابتكار يتمثل في مدى اعتماده من قبل المستهلكين. وشبه ذلك بحزام الأمان، الذي لم يحدث أثره الحقيقي إلا بعد أن أصبح استخدامه واسع الانتشار. وبالمثل، فإن بدائل التدخين الخالية من الدخان لن تحقق الأثر المرجو منها إلا إذا تبناها المستهلكون بشكل فعلي.
وبحسب “دي جيوفاني” دائما، فإن أبرز المؤشرات التي تعكس التقدم في هذا المجال تتمثل في:
• تزايد عدد المدخنين البالغين الذين يتحولون إلى بدائل خالية من الدخان؛
• وتراجع استهلاك السجائر التقليدية بالتوازي في البلدان التي تتوفر فيها هذه المنتجات.
وعلى المدى الطويل، من المتوقع أن يفضي هذا التحول إلى تحقيق أثر إيجابي على الصحة العامة يمكن قياسه.
إتاحة الوصول إلى البدائل.. الشرط الحاسم لإنجاح التحول
استأثرت الشروط اللازمة لتعزيز اعتماد المنتجات المبتكرة بجزء كبير من النقاشات، حيث حدد “تايلان سوير” مجموعة من العوامل الأساسية التي يرى أنها تشكل ركائز هذا التحول، وتشمل:
• توافر المنتجات في الأسواق، بدعم من إطار تنظيمي ملائم؛
• تعزيز الوعي، حتى يكون المدخنون على دراية بوجود البدائل المتاحة؛
• قابلية تقبل المنتجات، من خلال مواءمتها مع عادات المستهلكين وتطلعاتهم؛
• توسيع شبكة التوزيع، لتشمل منافذ بيع متنوعة، وعدم الاقتصار على المتاجر المتخصصة؛
• إتاحة هذه البدائل بأسعار في المتناول، حتى لا تظل مقتصرة على الفئات الأكثر يسرا.
شدد “سوير”، في هذا السياق، على أهمية توفير هذه المنتجات بمستويات سعرية مختلفة، بما يتيح توسيع قاعدة المستفيدين منها.
مواءمة الابتكار مع الخصوصيات المحلية
أكد المتدخلون على أن الابتكار لا يمكن استنساخه أو نقله كما هو من سوق إلى أخرى، بل ينبغي تكييفه مع خصوصيات كل سوق.
وأوضح “تايلان سوير” أن التدخين في البلدان المغاربية يرتبط في كثير من الأحيان بعادات اجتماعية ولحظات من الألفة والتواصل، وهو ما يفرض أن تراعي الحلول المقترحة هذه الخصوصيات الثقافية حتى تكون أكثر قبولا وفاعلية.
كما شدد على أهمية اعتماد تواصل واضح وبسيط يستند إلى الأدلة العلمية، معتبرا أن تزويد المستهلكين بمعلومات مفهومة وموثوقة يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن البدائل المتاحة.
إطار تنظيمي محفز لتسريع التحول
شكل دور الأطر التنظيمية أحد أبرز محاور النقاش خلال الجلسة. وفي هذا السياق، أكد “توماسو دي جيوفاني” أن أي إطار تنظيمي فعال ينبغي أن يحقق ثلاثة أهداف رئيسية:
• تمكين المستهلكين من الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة؛
• ضمان إتاحة الوصول إلى المنتجات المبتكرة؛
• تشجيع الاستثمار في البدائل الخالية من الدخان، إلى جانب تحفيز المدخنين البالغين على اعتمادها.
كما ناقش المتدخلون أهمية اعتماد سياسات ضريبية متمايزة تسهم في جعل هذه المنتجات أكثر قدرة على الوصول إلى مختلف شرائح المستهلكين.
واستشهد بتجربة نيوزيلندا كنموذج يجمع بين الأطر التنظيمية الفعالة، وحملات التوعية بالصحة العامة، وتنسيق جهود مختلف الفاعلين لتحقيق نتائج ملموسة.
سيادة الدول في رسم سياساتها الصحية
شدد “تايلان سوير” على نقطة يراها جوهرية، وهي أن دول إفريقيا والجنوب العالمي ينبغي أن تضع سياساتها الصحية الخاصة، انطلاقا من المعطيات العلمية المتوفرة، وأولوياتها الوطنية، واحتياجات سكانها.
وأوضح أن المطلوب ليس استنساخ نماذج طورت في دول أخرى، بل بلورة مقاربات تتلاءم مع خصوصيات كل بلد وتستجيب لتحدياته المحلية.
ما ملامح النجاح بعد عشر سنوات؟
وعند استشراف أفق سنة 2036، قدم المتدخلان تصورهما لمؤشرات نجاح الانتقال نحو البدائل الخالية من الدخان.
ورأى “تايلان سوير” أن التقدم الحقيقي يمكن قياسه من خلال أربعة مؤشرات رئيسية:
• انخفاض ملموس في عدد مدخني السجائر التقليدية بفضل توسع استخدام البدائل الخالية من الدخان؛
• انتشار أوسع للمعلومات العلمية الموثوقة والسهلة الولوج؛
• اعتماد أطر تنظيمية تعزز إتاحة هذه المنتجات في البلدان الإفريقية؛
• تحول إفريقيا من مجرد مستهلك للابتكار إلى مساهم في تطويره وإنتاجه.
من جانبه، أكد “توماسو دي جيوفاني” أن التحدي الأبرز يكمن في تسريع وتيرة هذا التحول حتى تتحقق فوائده المحتملة في أقرب وقت ممكن.
الشفافية والحوار أساس بناء الثقة
تطرقت النقاشات مع الحضور إلى عدد من المواضيع، من بينها مستوى الثقة في القطاع الصناعي، ودور الدراسات العلمية المستقلة، وهدف الحد من استهلاك السجائر، إضافة إلى إشكالية القدرة الشرائية وإتاحة البدائل، خاصة في تونس.
وأكد المتدخلون أن بناء الثقة يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية، والتقييمات المستقلة، والشفافية، وليس إلى تصريحات الشركات وحدها.
كما شددوا على أن نجاح هذا التحول يتطلب تعاونا وثيقا بين السلطات العمومية، والباحثين، والمهنيين في القطاع الصحي، ووسائل الإعلام، والقطاع الصناعي.
وفي ختام الجلسة، أجمع المتدخلان على أن الحوار القائم على الأدلة العلمية يظل ركيزة أساسية لتطوير سياسات الصحة العامة، ومرافقة المدخنين البالغين نحو بدائل أفضل عندما لا يكون الإقلاع النهائي عن التدخين خيارا ممكنا.



